محمد الريشهري
145
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
الأشياء له ، وذلّت مستكينة لعظمته ، لا تسطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه وضرّه ، ولا كفء له فيكافئه ، ولا نظير له فيساويه . هو المفني لها بعد وجودها ، حتى يصير موجودها كمفقودها . وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها . وكيف ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها ، وما كان من مراحها وسائمها ، وأصناف أسناخها وأجناسها ، ومتبلِّدة أُممها وأكياسها ، على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها ، ولتحيّرت عقولها في علم ذلك وتاهت ، وعجزت قواها وتناهت ، ورجعت خاسئة حسيرة ، عارفة بأنّها مقهورة ، مقرّة بالعجز عن إنشائها ، مذعنة بالضعف عن إفنائها ! وإنّ الله سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه . كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها ، بلا وقت ولا مكان ، ولا حين ولا زمان . عدمت عند ذلك الآجال والأوقات ، وزالت السنون والساعات ، فلا شيء إلاّ الله الواحد القهّار الذي إليه مصير جميع الاُمور . بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها ، وبغير امتناع منها كان فناؤها ، ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها . لم يتكاءدهُ ( 1 ) صنع شيء منها إذ صنعه ، ولم يَؤُدْهُ منها خلق ما خلقه وبرأه ، ولم يكوّنها لتشديد سلطان ، ولا لخوف من زوال ونقصان ، ولا للاستعانة بها على ندٍّ مكاثر ، ولا للاحتراز بها من ضدٍّ مثاور ، ولا للازدياد بها في ملكه ، ولا لمكاثرة شريك في شركه ، ولا لوحشة كانت منه ؛ فأراد أن يستأنس إليها . ثمّ هو يُفنيها بعد تكوينها ، لا لسأَم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها ، ولا
--> ( 1 ) يتكاءدهُ : أي يَصعب عليه ويَشقّ ( النهاية : 4 / 137 ) .